جلال الدين الرومي

143

فيه ما فيه

إن الكلام يأتي على قدر الآدمي ، وكلامنا مثل الماء يجريه أمير الماء أو المتحكم في الري حسبما يرى ، أنّى للماء أن يعرف أي وجهة أو سهل يسوقه أمير الماء أو إلى أي مزرعة قثاء أو كرنب أو بصل أم إلى بستان . ما أعلمه هو إن الماء إذا كثر وزاد فهناك أراض عطشة كثيرة ، وإذا قل اعلم أنه الأرض التي تنتظره قليلة كحديقة صغيرة أو روضة ضيقة ( يلقن الحكمة على لسان الواعظين بقدر المستمعين ) أنا صانع أحذية لدى الجلد كثير لكني لا أقطع منه وأحيك إلا بقدر القدم المحتذية : أنا ظل شخصه وبقدره * وقامتى على قدر قامته في الأرض دويبة تعيش تحت طياتها وفي أكناف الظلام وليس لها عينان أو أذنان لأنها في غنية عنهما في مقامها ذاك فلماذا تعطى البصر والسمع وهي لا تحتاج إليهما . ذلك ليس لأن أدوات السمع والبصر عند الله قليلة أو بسبب البخل تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا ، إلا لأنه يعطى الشئ بقدر الحاجة إليه ؛ لأنه لو أعطاه بدون احتياج له كان عبئا على المعطى واقتضت حكمة الحق ولطفه وكرمه أن ترفع العبء عمن لا يحتاجه . وللتمثيل إن أدوات النجار من القدوم والمنشار والمبرد وغيرها حين تعطيها للخياط تصبح عبئا عليه ، لأنه لن يقوم بالخياطة مستخدما إياها . إذن يعطى اللّه الشئ للحاجة إليه وحسب وكشأن الدود في حشايا الأرض وتحيا في الظلام ولا تؤثر غيره ترى خلقا قانعين وراضين بظلمة هذا العالم ولا يحتاج إلى الآخرة ولا تشتاق إلى رؤية اللّه فبم تفيدهم عين البصيرة ، وإذن الفهم وأمور هذا العالم تتحقق بهذه